"كيف يُرسم الغير المنظور؟ وكيف تمثّل ملامح مَن لا نظير له؟ وكيف يمثّل مَن لا كميّة فيه ولا قياس ولا حدود؟
"إذا فهمت أن الغير المتجسّد قد أصبح إنساناً لأجلك، فتستطيع عندئذٍ، وذلك جليّ، أن تنجز صورته الانسانية. وبما أن الغير المنظور قد أصبح منظوراً بتجسّده، فتستطيع أن ترسم صورة من شوهد.
"وبما أنه قد حصر نفسه في الكمية والنوعية، وتلبّس بالملامح الانسانية، فتستطيع أن تحفر في الخشب صورة من أراد أن يصير منظوراً، ثم تعرضها للتأمُّل فيها".
(القديس يوحنا الدمشقي)
غريب هو مقامنا هنا على الأرض.
كلٌّ منَّا يأتي في زيارة قصيرة، دون أن يدري لماذا، لكنه يبدو وكأنه يحدس غاية ما. 
غير أن ثمة، من وجهة نظر الحياة اليومية، شيئًا واحدًا نعرفه فعلاً: الإنسان هنا من أجل غيره من البشر – وبخاصة من أجل أولئك الذين تتوقف سعادتُنا على ابتسامتهم وهنائهم، وكذلك من أجل النفوس المجهولة التي لا عدَّ لها التي نرتبط بمصيرها برباط من التعاطف. مرات عديدة كلَّ يوم أدرك إلى أيِّ حدٍّ حياتي البرَّانية والجَّوَّانية مبنية على كدِّ رفاقي البشر، الأحياء منهم والأموات، وإلى أيِّ حدٍّ ينبغي أن أبذل نفسي بصدق لكي أعطى بالمقابل بمقدار ما أخذت. راحة بالي مرارًا ما تتكدَّر بالإحساس المُغِمِّ بأني استعرت أكثر مما ينبغي من عمل بشر آخرين.
عِبْر مسيرة الفنِّ الطويلة والمتشعِّبة، لم يتوقف التساؤلُ حول «ماهية الفن» عن طرح نفسه، واستمرتْ حتى يومنا هذا – دون جدوى – محاولاتُ إيجاد تعريفٍ متَّفَقٍ عليه للفن، حيث وُضِعَتْ للفنِّ تعريفاتٌ متنوعة ومختلفة، بل ومتناقضة، مثل: «الفن متعة لذيذة» (كانط)؛ «الفن مملكة الرائع» (هيغل)؛ «الفن مملكة الوهم الجميل» (شيللر)؛ «الفن حدس» (كروتشه)؛ «الفن رؤيا»؛ «الفن أسلوب حياة»؛ إلخ.
تتميز الحركة التشكيلية السورية بذلك التواصل الذي يمتد من بدايات القرن العشرين وحتى الآن من دون انقطاع أو قطيعة، وإنما مسيرة متناغمة ذات إيقاع عاكس لإيقاع الواقع ومتغيراته. ولأن المسيرة طويلة نسبيا، فـأي محاولة للتأريخ لها لا بد من أن يشوبها بعض اختصار واختزال وربما انتقاء، فالهدف في النهاية ليس التأريخ بعينه، ولكنه العثورعلى أهم الملامح المشتركة والوقوف عند المنتجات الاهم، من أجل إعطاء صورة أقرب إلى الحقيقة عن تلك المسيرة.
وهنا يحاول الناقد عبدالله أبوراشد،




